الشروق المغربية

السلطان ظل يمارس اختصاصات في جميع المجالات سواء قبل الحماية أو إبانها: اختصاصات تشريعية، تنظيمية، قضائية، إدارية … و كان الظهير هو المظهر الرئيسي للفعل أو العمل السياسي والإداري، وإن لم يرق إلى مستوى الوثيقة الدستورية حاليا، إلا أنه كان يستجيب لمتطلبات تلك المرحلة، فما هي طبيعة القرارات الملكية من رؤية طرح العلوم السياسية و الإدارية ؟
نميز في مستويات القرار السياسي بين القرار السياسي الاستراتيجي، القرار السياسي التكتيكي و القرار السياسي الروتيني.
رئيس الدولة في البلدان الأوروبية تبقى وظائفه تمثيلية على المستوى الإداري، رمزية على مستوى العلاقات من الخارج للإدارة أي من خلال البروتوكول فقط، حيث يبقى سلطة معنوية Autorité morale و بالتالي فوظائفه الإدارية ذات وضع استثنائي وخاص.
المؤسسة الملكية، لا ينطبق على مستواها القرار السياسي التكتيكي، والقرار السياسي الروتيني، بل المستوى الأول أي القرار السياسي الاستراتيجي الذي يأخذ عدة تمظهرات منها: الخطاب الملكي السامي؛ التوجهات الملكية السامية، الظهير الشريف.
وهكذا فطبيعة القرارات التي تتخذها المؤسسة الملكية في المجال الإداري، تختلف عما هو عليه الأمر لدى دول أخرى، بحيث إن محاولة تطبيق ما هو سائد مثلا في فرنسا، وباعتماد المعطى القانوني، فقط، سيكون صحيحا على مستوى البناء مغلوطا في آخر المطاف على مستوى التركيب، لكونه يغيب جوانب أساسية لطبيعة وموقع المؤسسة الملكية في النسق السياسي الإداري المغربي؛
على المستوى الفقهي نجد: تأرجح بين من اعتبر القرارات الملكية في المجال الإداري بمثابة قرارات إدارية محضة تماما كرؤساء الدول الأجنبية وهناك من حدا حدو أبا حنيني، وآخرون اعتبروا القرارات الملكية قرارات إدارية من نوع خاص على اعتبار أن فكرة فصل السلط لا تنطبق على مستوى المؤسسة الملكية.
فالمؤسسة الملكية تضع الاستراتيجية السامية للسياسة العامة للبلاد والحكومة والبرلمان مسؤولان أمامها.
العميد بن جلون يرى أنه من غير المنطقي عدم إضفاء أية صبغة إدارية على القرارات الملكية؛ الممثل الأسمى للبلاد (المشرع، المنفذ، القاضي، والإداري الأول le premier administrateur.
عبد اللطيف المنوني يرى أن جلالة الملك لا يستأثر بالتنفيذي؛ ولكن يتسامى في البناء السياسي ويتواجد فوق باقي المؤسسات والأحزاب.
عبد اللطيف أكنوش ينتقد الموقف الذي يذهب إلى اعتبار المؤسسة الملكية على غرار رؤساء الدول الأوروبية، حيث أن القراءة الشكلية للوثيقة الدستورية تؤدي إلى مغالطة في الرؤية حيث تعتبر القرارات الصادرة عنه قرارات إدارية بالمعنى البسيط.
الدكتور محمد معتصم في أطروحته يرى أن الإدارة رهن إشارة الحكومة، ولكن أيضا رهن إشارة جلالة الملك، الذي يعين في المناصب العليا، وهو الذي يضع الإدارة رهن اشارة الحكومة.
صحيح، لكن هذه الأطروحة غير دامغة ؛ فالقراءة الشكلية للوثيقة الدستورية تؤدي إلى بناءات صحيحة على مستوى التحليل والمنظومة القانونية، ولكن مغلوطة على مستوى المنظومة الدستورية ككل، بحيث إن الدستور يتضمن إحالات ونحن نقرأ إلى جانب هذه الاحالات.
فالمؤسسة الملكية ترسم استراتيجيات وتوجهات سامية، وتُؤمِّن عمل عدة قوى تعمل داخل المجتمع، هذه القوى تعمل على بلورة وتنفيذ هذه التوجهات السامية من خلال خيارات وبدائل و سياسات عامة وعمومية.
وهنا يمكن الحديث عن كل ما هو تكتيكي وروتيني بإيجابيات وسلبياته في خدمة متطلبات التنمية. فالخلل في التغذية الراجعة يقف عند مستوى السلط التي خولت الاختصاص.
هنا يبقى التساؤل المطروح هو: هل يمكن الحديث عن نسق سياسي بالمغرب؟ فالنسق يحيل إلى البنية “والبنية” كل مكون من ظواهر متماسكة يتوقف كل منها على ما عداه، ولا يمكنه أن يكون ما هو إلا بفضل علاقته بما عداه”. على حد تعبير لا لاند في معجمه. والنسق يفترض نوعا من الانسجام والتكامل على جميع المستويات؛ انسجام سياسي، اقتصادي واجتماعي. فهو بنية كبرى يتضمن انساقا أو بنيات صغرى sous systèmes ، وهذه الأنساق الصغرى يمكن أن تخرج من جوف النقيض، بحيث يمكن أن تكون غير منسجمة وغير متكاملة، حيث التنافر على المستوى الاجتماعي كالتركيبة القبلية، وغياب الانسجام على المستوى الاقتصادي كتوظيف وسائل تقليدية إلى جانب أخرى حديثة، أو المشهد السياسي الذي يحيل إلى التجاذب والتناقض بين أطراف اللعبة. وهنا تكمن دينامية المجتمع المغربي واستمراريته في خلق فضاء متطور وقابل للتطور.
صحيح أن هناك تنافرا وتجادبا وتناقضا بين القوى الفاعلة، إلا أن هناك ضابطا للنسق un régulateur du système، وهو المؤسسة الملكية، التي تعمل على تأمين عمل كل القوى التي تعمل داخل المجتمع وترعاها من خلال العديد من الآليات كالتحكيم الملكي وتقريب وجهات النظر وخلق نوع من التسويات والتراضي فيما بينها.