موسى المرزوقي
ظاهرة المختلين عقليا تخضع لمقتضيات الظهير الشريف رقم 295-58-1 الصادر في 30 أبريل 1959 بشأن الوقاية من الأمراض العقلية ومعالجتها وحماية المصابين بها.
مقتضيات هذا الظهير اصبحت جد متجاوزة ؛ على اعتبار أنها لم تعد تتلاءم مع التطور والتحولات المسجلة في مجال حماية الحقوق والحريات الأساسية اهذه الفئة من الأشخاص المصابين بالاضطرابات العقلية سواء على مستوى الاتفاقيات الدولية او تشريعات الدول المتقدمة.
ولتفادي عدم الملائمة هذه صادقت الحكومة على قانون رقم 13-73 يتعلق بمكافحة الاضطرابات العقلية وبحماية حقوق الأشخاص المصابين بها. بالإضافة الى عدة مذكرات و دوريات بالفرنسية صادرة عن وزارة الصحة في هذا المجال. واجراءات اغلاق بويا عمر بإقليم قلعة السراغنة.
غير ان الوضع يبقى كارثيا نظرا لعدم الاهتمام بهذه الفئة من قبل الوزارة الوصية و المكلفة بتقديم الخدمة . إذ بمجرد اتخاذ قرار عاملي يقضي بإيداع الشخص بمؤسسة للعلاج من الامراض العقلية لا تقل عن ستة اشهر، لا يتم الاحتفاظ به من اجل تقديم العلاج، بل يتم تسريحه دون الاخذ بعين الاعتبار الخطورة التي يمكن ان يشكلها على نفسه او على الغير. و لذلك نسجل العديد من حالات الاعتداء من قبل المختلين قد تطال الاصول كما هو الشأن بالنسبة لقتل مختل لوالديه ببنسليمان يوم 28 غشت 2016 و انتحار اب بأولاد الطالب اقليم بنسليمان بمجرد عودة ابنه المختل الى المنزل، حيث لم يتم الاحتفاظ به من قبل مصالح الصحة و اغتصاب مختل مريض لامه باحدى الجماعات … و غيرها من الحالات التي لا تحصى ولا تعد على المستوى الوطني. و يكفي ان مبردات المشرحات بالمستشفيات مليئة بأشلاء الجثث المجهولة التي تعود في الغالب لهؤلاء دون اتخاذ أي اجراء لدفنها على الاقل و الاحتفاظ بالحمض النووي للجثث لكل غاية مفيدة مستقبلا عند ظهور اقاربه.
الخطير في الامر هو ان العديد من المسؤولين الذين لا يكلفون انفسهم تحرير قرار الايداع بمؤسسة للعلاج يلجؤون الى نقل هؤلاء المختلين والتخلص منهم بعيدا في الطريق او بمدخل مدينة اخرى مجاورة.
صحيح ان عدم قيام مصالح الصحة بواجبها تجاه هؤلاء يجعل السلطات الامنية في حيرة من امرها؛ خاصة و ان النيابة العامة لا يعطيها الظهير الشريف رقم 295-58-1 الصادر في 30 أبريل 1959 بشأن الوقاية من الأمراض العقلية ومعالجتها وحماية المصابين بها أي اختصاص في هذا المجال. لكن القانون يخولها سلطة انزال العقوبة بكل من اخل بواجبه و عدم تقديم يد المساعدة لشخص في خطر على نفسه وعلى الغير الشيء الذي لا يتم تفعيله مع الاسف.
هناك جمعيات اخذت على عاتقها الاعتناء بهذه الفئة رغم خطورة المهمة و ما تتطلب من صبر وعناية فائقة و مغامرة مع الشخص المصاب الذي لا يمكن التحكم في سلوكه، كما هو الشأن لمركز تيط مليل .
لكن في غياب سياسة اجتماعية واضحة في هذا المجال ؛ سيبقى المصابين بهذا النوع من المرض يحصدون المزيد من الارواح و ترويع الناس و خلق العاهات المستدامة. في ظل تنامي ظاهرة التعاطي للأقراص المهلوسة والمخدرات و غيرها.
فهل من حل لمعادلة الحق في الحياة و العيش الكريم و حقوق و حريات الافراد و الحق في العلاج و الرعاية الصحية و الجانب الامني و الاخلال بالنظام العام من خلال اعتماد مقاربة اجتماعية من قبل الحكومة؟