الشروق المغربية

شكل دائما موضوع الإفطار في شهر رمضان مادة دسمة لدى فئات واسعة من المجتمع المغربي؛ و لعل القوانين المتعلقة بالموضوع تثبت مدى حرص الدولة على معاقبة كل مواطن مسلم يشهر إفطاره بدون عذر شرعي بحيث ينص الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي على أنه «يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وغرامة من 2.000 إلى 10.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي، وتجاهر بالإفطار في نهار رمضان، في مكان عمومي، دون عذر شرعي».
و رغم النقاش الذي خلقه هذا القانون لدى الحركة الحقوقية ببلادنا في ما يخص احترام الحريات الفردية و الجماعية؛ فإن الملاحظ هو غياب الوعي و الثقافة الدينية الصحيحة لدى فئة من المجتمع و التي تريد أن تفرض و لو بالعنف و الإرهاب النفسي الصيام غصبا على من رخصت لهم الشريعة الإسلامية والقانون الجنائي المغربي الإفطار بحيث أن حادثة تعنيف شاب أفطر بشربه الماء لكونه مصاب بالمرض السكري المزمن لأكبر مثال على ممارسة التطرف والإرهاب الديني لدى هذه الفئة.
فالشريعة الإسلامية رخصت لمجموعة من الحالات بالإفطار و من بينها المرأة الحائض و النفساء؛ و مع ذلك لم تستطع المرأة أن تمارس حقها الشرعي والقانوني في الإفطار في الأماكن العامة : في الشارع؛ في أماكن العمل؛ في الجامعة …. كما يمارس الرجل كل حقوقه الشرعية و يشهرها وقتما تسنى له ذلك.
في شهر رمضان، و بعد خروجنا من فترة العمل كنت بالسيارة برفقة صديقتي و هي في حالة حائض؛ فأخذت بعض الطعام من حقيبتها و وضعته في فمها بسرعة حتى لا يتناسب ممارسة حقها الشرعي و القانوني بوجود أحد المارة أو السائقين المرضى فيعنفنا بالسب و الشتم أو ربما حتى بتكسير السيارة؛ و بالمناسبة لم يكن يفصلنا عن آذان المغرب سوى ثلاث ساعات بمعنى أن صديقتي كانت شبه صائمة مع العلم أن الفقهاء يؤكدون على إلزامية إفطار المرأة الحائض و أن المرأة التي تتشبث بالصوم و هي حائض فهي ترتكب إثما، اللهم إن كان صومها عن جهل بخصوص عدم علمها بخروج الدم منها.
و من خلال تلك اللحظات من الضغط النفسي، انتابتني مجموعة من الأسئلة:
* أليس الله و رسوله من رخصوا للمرأة الحائض بإلزامية الإفطار في رمضان!
* أليس قانوننا يبيح لكل من له عذر شرعي بالإفطار!
* لماذا على المرأة أن تمارس حقها الشرعي و القانوني خلسة في مكان مختبئ “هذا إن توفرت لها الظرف لذلك” وإلا فستبقى ساعات و هي بدون طعام حتى لا أقول صائمة و كأنها تفعل أمرا إجراميا أو مخلا بالآداب والأخلاق!
و بالمقابل انتابتني أسئلة أخرى :
لماذا الرجل عندما يريد أن يشهر ورقة التعدد في الزوجات لا يكترث لنظرة المجتمع و لا لأسرته و لا لجيرانه و لا لزملائه و لا حتى لأطفاله؛ بحيث أنه يزكي خطوته بخصوص إقباله على التعدد بورقة الشرع الديني رغم أن التعدد هو مشروط بالعدل بين الزوجات و نعلم جميعا مدى ثقل كلمة و معنى “العدل” في حين أن إفطار المرأة هو لا يخضع لأي شرط و هو متعلق فقط بالطبيعة البيولوجية لجسمها و مع ذلك المرأة لا تستطيع ممارسة حقها الشرعي علانية!
لماذا يصعب على المرأة ذات عذر شرعي أن تأكل في الأماكن العامة رغم أنها لا تخدش مشاعر أي أحد فالصيام عقيدة و إيمان في حين أن الرجل يمارس حقه في التعدد بدون أن يكترث لمشاعر زوجته أو أطفاله مادام أن “الترخيص الشرعي المشروط” كاف ليريح ضميره من أي تأنيب اتجاه أسرته.
تُرى لو أعطي حق الإفطار للرجل بعذر شرعي يتعلق بالطبيعة البيولوجية لجسمه هل كان سيخفي حقه الشرعي أمام المجتمع!
هذا النقاش جعلني أستخلص أن المرأة لازالت خاضعة و خانعة لمجتمع متشبع بالثقافة الذكورية، و لو كانت هذه الثقافة تتناقض مع ما جاء به الشرع و القانون و أمثلة كثيرة توجد داخل المجتمع و أنه رغم مرور أزيد من 14 قرن على ظهور الإسلام، فهي لم لم تستطع ترويض المجتمع على تقبل ممارسة حقوقها الشرعية، و أبسطها احترام حق الإفطار بوجود عذر شرعي في مكان عام، و قس على ذلك ممارسة مجموعة من الحقوق و الميز الإيجابي الذي أتى به الإسلام لصالحها، فمجتمعنا مع كل الأسف لا يقبل بأن يرى المرأة ذات عذر شرعي تأكل في الشارع و بالمقابل ليس لديه أي مشكل في أن يزف بالطبل و المزمار عروسة رجل أشهر ورقة التعدد في وجه زوجته ببساطة لأن الشرع رخص له ذلك و لو أنها رخصة مشروطة!
إن المرأة لها دور أساسي في بناء المجتمع و تربيته على التعاليم الدينية السليمة و الصحيحة و التي ترتكز على تقبل الاختلاف و تقبل الآخر عبر تقبل وجود الاستثناءات الشرعية و احترامها؛ فثقافة الإفطار في الظلام لدى المرأة التي تُفطر بوجود عذر شرعي تساهم في تنشئة أشخاص بفكر ظلامي لا يعرفون سوى أن الكل في شهر رمضان صائم و يجهلون وجود استثناءات و يجب مراعاة حقوقها; فالمرأة التي تفطر أمام أطفالها تساهم بدون أدنى شك في زرع ثقافة الاستثناء في ممارسة الشعائر الدينية لدى الناشئة و في ترسيخ ثقافة تقبل حقوق الآخر في الاستفادة من الرخص الشرعية الممنوحة للمرضى و المسنين على سبيل المثال و الأكيد لن يصبح شرب الماء لدى المرضى جرما و لا المرأة الحائض سترمقها أعين أو تتعقبها كلمات مستفزة فقط لأنهم يمارسون حقهم الشرعي لا أكثر و لا أقل.

مقالة مهداة إلى النساء اللواتي يتحملن مشقة الجوع و العطش و هن فاطرات بعذر شرعي!

المصدر نون